أبو الحسن الشعراني
168
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه
منها خصال الكفارة إذا قيل هي « عتق رقبة مؤمنة » و « صيام شهرين متتابعين » و « إطعام ستين مسكينا » ، فإن كانت للترتيب دل الكلام على أن الخصلة التالية إنما هي إذا عجز عن الخصلة المتقدمة ، وإن كانت لمطلق الجمع دل على التخيير ، والأقوى أنها لمطلق الجمع ، وهو مذهب أكثر النحاة . واستدل عليه بصحة قولنا : تقابل زيد وعمرو ، وجاء زيد وعمرو قبله ، والأصل في الاستعمال الحقيقة . وقيل إنها للترتيب ، وهو مذهب ثعلب « 1 » وقطرب « 2 » وأبى عمرو الزاهد « 3 » واستدل عليه بحديث مسلم : إن خطيبا قام بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله فقال : « من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى » فقال صلى اللّه عليه وآله : بئس الخطيب أنت . قل : « ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى » . « 4 » ولو كان الواو لمطلق الجمع لم يكن بينهما فرق . والحق أن الترتيب في هذا الكلام غير متصور كما في قوله : تقابل زيد وعمرو ، لأن عصيان اللّه هو عصيان الرسول بعينه ، ولكن مقصوده صلى اللّه عليه وآله أن في إفراد ذكر اللّه تعظيما . أقول : التقديم في الذكر في كلام الحكيم لغرض قطعا ، لعدم جواز الترجيح من غير مرجح ، ولكن ليس الغرض منحصرا في الترتيب ، بل قد يكون المقدم أكثر شيوعا أو أكمل صفة أو أهم . بحيث يريد المتكلم بيان حكمه قبل غيره ، أو غير ذلك مما لا يحصى . وليس هذا من خواص
--> ( 1 ) - أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد النحوي ، مات سنة 291 . ( 2 ) - أبو على محمد بن المستنير البصري النحوي ، مات سنة 206 . ( 3 ) - أبو عمر الزاهد المطرّز المعروف بغلام ثعلب ، مات سنة 345 . ( 4 ) - صحيح مسلم ، الجزء الثاني ص 12 .